غزة / معتز شاهين:
لم يكن إعلان ما يسمى بـ "مجلس السلام" رفض إشراك وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في أعماله بقطاع غزة مجرد موقف يتعلق بتنظيم العمل الإغاثي، بل أثار تساؤلات حادة بشأن مستقبل الوكالة ودورها، وانعكاسات ذلك على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.
وأكد مختصون ومحللون سياسيون تحدثوا لـ "الاستقلال" أن محاولات تهميش "الأونروا" وتقليص دورها تدريجياً تعكس تقاطعاً بين الموقف الإسرائيلي والضغوط السياسية في واشنطن، بما قد يدفع نحو حصر دور الوكالة في نطاق إغاثي محدود، بعيداً عن ارتباطها التاريخي والسياسي بقضية اللاجئين.
ويأتي موقف المجلس في وقت تتواصل فيه الاتصالات والاجتماعات بين مسؤولين منه والوكالة؛ في صورة تبدو متناقضة بين استبعاد "الأونروا" من الخطط المعلنة، والاستفادة من خبراتها وقدراتها التشغيلية على الأرض.
وكان "مجلس السلام" قد أكد، في منشور على منصة "إكس" الجمعة، استمرار سياسته الرافضة لإشراك "الأونروا" في أعماله بقطاع غزة، مشيراً إلى أنه سيقتصر في تعاونه على الجهات "الشريكة الموثوقة والقادرة على تلبية احتياجات السكان والإسهام في جعل القطاع خاليًا من التطرف"، معتبراً أن الوكالة لم تستوفِ المعايير التي وضعها.
وأضاف أن نهجه يهدف إلى "تقليص الاعتماد طويل الأمد على المساعدات، وتهيئة الظروف لبناء اقتصاد مستدام في غزة يوفر فرص العمل ويحسن مستويات المعيشة".
وأثار قرار المجلس انتقادات واسعة من فصائل فلسطينية عدة، حذرت من تداعيات استبعاد "الأونروا" على قضية اللاجئين وحق العودة، واعتبرت أن الخطوة تتجاوز البعد الإغاثي إلى أبعاد سياسية خطيرة.
"خطوة سياسية بالدرجة الأولى"
وفي قراءة لتداعيات القرار، قال المختص في شؤون الأونروا علي هويدي إن إعلان "مجلس السلام" رفض إشراك الوكالة في أعماله بقطاع غزة يمثل "خطوة سياسية بالدرجة الأولى"، معتبرًا أنها تخدم، بحسب تقديره، الرؤية الأمريكية والإسرائيلية تجاه مستقبل الوكالة وقضية اللاجئين الفلسطينيين.
وأضاف هويدي لـ"الاستقلال" أن الحديث عن عدم وجود مستقبل للأونروا في "غزة الجديدة" يمثل، وفق تقديره، أحد الإجراءات الرامية إلى تشويه صورة الوكالة وتصويرها باعتبارها "شريكًا غير موثوق فيه".
وأوضح أن القرار قد ينعكس على الخدمات التي تقدمها الأونروا، مشيرًا إلى أن الوكالة تعمل بالتنسيق مع مؤسسات دولية أخرى في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة.
ويرى هويدي أن استهداف الوكالة يرتبط بمستقبل قضية اللاجئين، معتبرًا أن ما يجري يندرج ضمن "رؤية استراتيجية لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة"، على حد تعبيره.
وأضاف أن تداعيات تحجيم دور الأونروا في غزة قد تمتد، بحسب تقديره، إلى مناطق عملياتها الأخرى، بما فيها الضفة الغربية وسوريا والأردن ولبنان.
وفي هذا السياق، أشار إلى رسالة قال إن 93 عضوًا في الكونغرس الأمريكي وجّهواها إلى الرئيس دونالد ترامب، مطالبين فيها بتفكيك الأونروا في مناطق عملياتها، معتبرًا أن أي خطوة لتحجيم عمل الوكالة في قطاع غزة يمكن قراءتها، من وجهة نظره، في هذا السياق.
وشدد هويدي على ضرورة توفير الاحتياجات اللازمة للأونروا، محذرًا من أن تقليص دورها ستكون له تداعيات "كارثية"، ومؤكدًا أهمية استمرار عملها.
"الأونروا لا تحتاج إلى بديل"
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي فايز سويطي أن قرار "مجلس السلام" استبعاد الأونروا من أعماله في قطاع غزة لا يندرج في إطار إدارة المساعدات أو إعادة تنظيم العمل الإغاثي فحسب، وإنما يأتي، ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل الواقع السياسي والإداري في القطاع.
وقال سويطي لـ"الاستقلال" إن ما يسمى بـ"مجلس السلام" يسعى إلى إدارة غزة عسكريًا وسياسيًا وإداريًا، موضحًا أنه يمنح لجنة إدارة القطاع صلاحيات محدودة، بينما يحتفظ لنفسه بالقرارات الاستراتيجية، ومن بينها ما وصفه بـ"إجهاض دور الأونروا في غزة".
ويربط سويطي استبعاد الوكالة بالبعد السياسي لقضية اللاجئين، معتبرًا أن إنهاء دورها في غزة والضفة الغربية قد يؤدي، إلى "طمس جوانب مهمة من تاريخ القضية الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة".
ولا يرى المحلل السياسي أن القضية تتعلق بالبحث عن جهة بديلة تقدم الخدمات التي تؤديها الأونروا، مؤكدًا أن الوكالة "لا تحتاج بديلًا"، وأن المطلوب، من وجهة نظره، هو توفير "دعم مادي وسياسي وحقوقي" لها.
ويضع هذا الطرح استمرار الأونروا في سياق يتجاوز تقديم الخدمات، إذ يرى سويطي أن بقاءها يرتبط بالحفاظ على حضور قضية اللاجئين والتهجير الفلسطيني في المشهد الدولي، بالنظر إلى ارتباطها التاريخي بهذا الملف.
وفي تفسيره لاستمرار الاجتماعات بين مسؤولين من "مجلس السلام" والأونروا رغم الإعلان عن استبعادها، يرى سويطي أن هذه اللقاءات لا تعني بالضرورة تراجع المجلس عن موقفه، وإنما قد تهدف إلى الاستفادة من خبرات الوكالة وإمكاناتها وصولًا، بحسب تقديره، إلى تقليص دورها تدريجيًا.
ويخلص سويطي إلى الدعوة لتدخل عربي وإسلامي ودولي للحفاظ على الأونروا ودورها، مؤكدًا ضرورة استمرارها "لتبقى شاهدًا على التهجير وحق العودة".
استبعاد "الأونروا" من خطط مجلس السلام.. خطوة نحو تغييب قضية اللاجئين
تقارير وحوارات


التعليقات : 0